سيد محمد طنطاوي

296

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : عسى ربكم أن يرحمكم : ويعفو عنكم يا بني إسرائيل متى أخلصتم له العبادة والطاعة ، وأصلحتم أقوالكم وأعمالكم ، فقد علمتم أنه - سبحانه - لا ينزل بلاء إلا بذنب ، ولا يرفعه إلا بتوبة . قال : أبو حيان : وهذه الترجية ليست لرجوع دولة ، وإنما هي من باب ترحم المطيع منهم ، وكان من الطاعة أن يتبعوا عيسى ومحمدا - عليهما السلام - ولكنهم لم يفعلوا « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( وإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا ) * إنذار لهم بإنزال العقوبات عليهم ، إن عادوا إلى فسادهم وإفسادهم . أي : وإن عدتم إلى المعاصي ومخالفة أمرى ، وانتهاك حرماتى ، بعد أن تداركتكم رحمتي ، عدنا عليكم بالقتل والتعذيب وخراب الديار . ولقد عادوا إلى الكفر والفسوق والعصيان ، حيث أعرضوا عن دعوة الحق التي جاءهم بها الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، ولم يكتفوا بهذا الإعراض بل هموا بقتله صلى اللَّه عليه وسلم وأيدوا كل متربص بالإسلام والمسلمين ، فكانت نتيجة ذلك أن عاقبهم النبي صلى اللَّه عليه وسلم وأصحابه بما يستحقون من إجلاء وتشريد وقتل . . قال ابن عباس - رضى اللَّه عنهما - : « عادوا فسلط اللَّه عليهم المؤمنين » . ثم بين - سبحانه - عقوبتهم في الآخرة فقال : * ( وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً ) * أي : إن عدتم إلى معصيتنا في الدنيا عدنا عليكم بالعقوبة الرادعة ، أما في الآخرة فقد جعلنا جهنم للكافرين منكم ومن غيركم « حصيرا » أي : سجنا حاصرا لكم لا تستطيعون الهروب منه ، أو الفكاك عنه ، أو فراشا تفترشونه ، كما قال - تعالى - : لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ . وكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ . قال بعض العلماء : قوله * ( حَصِيراً ) * فيه وجهان : الأول : أن الحصير المحبس والسجن . من الحصر وهو الحبس : يقال حصره يحصره حصرا ، إذا ضيق عليه وأحاط به . والثاني أن الحصير : البساط والفراش ، من الحصير الذي يفرش ، لأن العرب تسمى البساط الصغير حصيرا . . » « 2 » . وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد حكت لنا قضاء اللَّه - تعالى - في بني إسرائيل ، وساقت لنا لكي نعتبر ونتعظ ألوانا من سنن اللَّه - تعالى - التي لا تتخلف ، والتي من أبرزها أن

--> ( 1 ) تفسير البحر المحيط ج 6 ص 11 . ( 2 ) تفسير أضواء البيان ج 3 ص 372 للمرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي .